التايمز : خلفيات اتهامات حرمان مهاجري سبتة من الغذاء والماء

Rédigé le 04/08/2026
منصة المَقالاتيّ

يعرض التقرير المنشور في صحيفة The Times البريطانية اتهامات موجّهة للسلطات الإسبانية في سبتة مفادها أنها تتعمّد حرمان آلاف المهاجرين الذين عبروا حديثًا من الأراضي المغربية إلى الجيب الإسباني من الغذاء والماء والمأوى، في محاولة لدفعهم إلى المغادرة طوعًا والعودة إلى المغرب. يستند المقال إلى شهادات مهاجرين يؤكدون أنهم لم يتلقّوا أي مساعدة رسمية منذ دخولهم المدينة، وأنهم اضطروا إلى الاحتماء بالشواطئ أو الشوارع المفتوحة، في وضع يصفه مراسلو الصحيفة بأنه حالة «حصار غير معلن» داخل نقطة تماس حسّاسة على حدود الاتحاد الأوروبي.



يأتي هذا الاتهام في سياق أزمة هجرة استثنائية شهدتها سبتة خلال أيام قليلة، بعد تدفق عشرات الآلاف من الأشخاص من المغرب نحو الجيب الإسباني عبر البحر أو عبر المعابر الحدودية، في واحدة من أكبر موجات العبور غير النظامي التي تعرفها هذه المنطقة منذ سنوات. تقدّر مصادر إسبانية ودولية عدد الذين دخلوا سبتة بين 50 و60 ألف شخص، فيما أعيد أغلبهم سريعًا أو عادوا طوعًا إلى الجانب المغربي، بينما بقيت عدة آلاف عالقة داخل المدينة، من بينهم مئات القُصّر غير المصحوبين. هذا الضغط المفاجئ حوّل المدينة الصغيرة، التي يبلغ عدد سكانها الأصليين نحو 80 ألفًا، إلى مسرح لأزمة إنسانية وسياسية في آن واحد، مع عجز مراكز الاستقبال المحلية عن استيعاب الأعداد الوافدة.


بحسب ما تنقله الصحيفة عن مصادر محلية وشهادات من الميدان، لا توجد عملية منظمة لتوزيع الغذاء والمياه أو توفير ملاجئ مؤقتة لمعظم المهاجرين الباقين في سبتة، باستثناء بعض الفئات ذات الأولوية مثل القُصّر الذين تم توجيههم إلى مراكز مكتظة أصلًا. مسؤولون محليون في سبتة صرّحوا لوسائل إعلام دولية بأن المدينة «تفتقر إلى الموارد» لتأمين إيواء وإطعام الجميع، وأن الهدف الرئيسي للسلطات يبقى تشجيع من دخلوا «بشكل غير نظامي» على مغادرة الجيب والعودة إلى المغرب، وهو ما يُفسَّر من طرف المهاجرين والمنظمات الحقوقية كاستخدام للجوع والعطش كوسيلة ضغط غير رسمية.


في الميدان، يصف مهاجرون تحدثوا لوسائل إعلام مثل رويترز ونيويورك تايمز واقعهم بأنه مزيج من الإنهاك الجسدي، وانعدام الطعام والماء، والعداء من جزء من السكان المحليين، ما دفع كثيرين إلى اتخاذ قرار العودة إلى المغرب رغم المخاطر التي واجهوها في طريق العبور. البعض تحدّث عن «حالة حصار» نتيجة إغلاق المحال التجارية في المناطق التي يتجمع فيها المهاجرون وعن حضور أمني وعسكري مكثف، بينما أشار آخرون إلى مبادرات فردية من سكان سبتة لتوزيع وجبات بسيطة أو مياه، وهي مبادرات لا تغيّر من الصورة العامة لأزمة معيشية خانقة.


السلطات الإسبانية من جهتها تشدد، في تصريحات لمسؤولين حكوميين نقلتها وكالات عالمية، على أولوية «استعادة النظام» وحماية الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي، مع التأكيد على أن الدخول إلى سبتة لا يمنح تلقائيًا حق الوصول إلى البر الإسباني أو إلى فضاء شنغن. مدريد تثمّن في الوقت نفسه تعاون الرباط في عمليات إعادة المهاجرين، في حين تسعى إلى طمأنة شركائها الأوروبيين بشأن سيادتها على جيبي سبتة ومليلية، وهما نقطتا احتكاك دائم في العلاقات المغربية الإسبانية. لكن المنظمات الحقوقية تعتبر أن التركيز على البعد الأمني جاء على حساب استجابة إنسانية متكافئة مع حجم الأزمة، وتحذر من أن ربط المساعدة الإنسانية بحسابات الردع والهجرة قد يرسّخ نمطًا جديدًا من «العقاب الجماعي» على الحدود الجنوبية لأوروبا.


أزمة سبتة الأخيرة تعيد إلى الواجهة النقاش الأوسع حول سياسات الهجرة الأوروبية في المتوسط، حيث تتداخل اعتبارات السيادة الوطنية، وضغوط الرأي العام الداخلي، وأدوار دول العبور كشركاء أمنيين أو أوراق ضغط جيوسياسي. فالتبعية المتزايدة للاتحاد الأوروبي لتعاون بلدان الجوار الجنوبي، ومنها المغرب، في ضبط الحدود تجعل أي توتر دبلوماسي قابلًا للتحول إلى موجة عبور مفاجئة، كما حدث مرارًا في السنوات الأخيرة على سواحل المغرب وليبيا وتركيا. في ظل هذا السياق، يصبح حرمان المهاجرين في سبتة من خدمات أساسية، سواء كان متعمدًا أو نتيجة انهيار القدرات، مؤشرًا على هشاشة التوازن بين منطق الردع ومنطق الحماية، وعلى مخاطر تحويل الأجساد المهاجرة إلى أداة تفاوض ضمن نزاعات سيادية وأمنية أوسع.


على المستوى الإنساني، تطرح الاتهامات التي أبرزتها صحيفة The Times أسئلة قانونية وأخلاقية حول مدى احترام إسبانيا، كدولة عضو في الاتحاد الأوروبي، لالتزاماتها بموجب القانون الدولي للاجئين وحقوق الإنسان، خاصة ما يتعلق بمنع المعاملة اللاإنسانية والحاطة بالكرامة، وضمان الوصول إلى المساعدات الأساسية. ورغم أن بعض التقارير تشير إلى جهود لإيواء القاصرين وتعزيز قدرات الاستقبال في منشآت جديدة أو مؤقتة، فإن شهادات المهاجرين والصور المتداولة عن نومهم في العراء واصطفافهم لساعات بحثًا عن مياه وغذاء محدودة، تغذّي صورة أزمة تمت إدارتها بمنطق «الضغط عبر الحرمان» أكثر من منطق الاستجابة الإنسانية الشاملة.