تشير معطيات جديدة إلى أن موجة المحتوى المكتوب بالذكاء الاصطناعي لم تبتلع الويب كما كان متوقعا بعد إطلاق تشات جي بي تي، بل وصلت إلى حالة استقرار نسبي عند نحو النصف من المحتوى الجديد، وفق تحليل شركة غرافيت الذي نقلته أكسيوس.
ويعني ذلك أن الكتابة البشرية لم تُزَح بالكامل من الفضاء الرقمي، لكن حدود الفصل بينها وبين الكتابة الآلية باتت أكثر ضبابية، وهو ما يفتح نقاشا أوسع حول جودة المحتوى ومعايير النشر وموثوقية الإنتاج الإعلامي في العصر التوليدي.
بحسب البيانات التي استند إليها التقرير، ارتفعت نسبة المقالات التي تنتجها النماذج التوليدية بسرعة بعد نوفمبر 2022، ثم بلغت 35.9 في المئة خلال عام واحد، قبل أن تواصل الصعود إلى 48 في المئة خلال عامين، لتستقر منذ مطلع 2025 عند مستوى يقارب 50 في المئة من المواد الجديدة.
أما العينة البحثية فشملت 55 ألف صفحة إنجليزية من أرشيف كومن كراول، وكانت محصورة في نصوص تتجاوز 100 كلمة ومؤرخة بين 2020 ومارس 2026، مع إخضاعها لأدوات كشف مثل بانغرام وجي بي تي زيرو وكوبي ليكس. وهذا المنهج يعطي مؤشرا مفيدا، لكنه لا يقدّم صورة نهائية، لأن كثيرا من النصوص اليوم تُنتج عبر مزيج من التحرير البشري والمساعدة الآلية، لا عبر كتابة بشرية أو آلية خالصة.
الأهمية الأبرز هنا ليست في الرقم وحده، بل في ما يكشفه عن الاقتصاد المعرفي على الويب. فلو صح أن نصف المحتوى الجديد تقريبا صار مولدا أو مساعدا بالذكاء الاصطناعي، فهذا يعني أن معايير الاكتشاف والفرز والتحرير ستصبح جزءا من بنية العمل الصحافي نفسه، لا مجرد أداة تقنية إضافية. كما أن التحذير من احتمال أن تتغذى النماذج لاحقا على مواد مولدة بالذكاء الاصطناعي يطرح إشكالا بيئيا ومعرفيا في آن واحد، إذ قد يدخل الويب في دائرة إعادة إنتاج منخفضة الجودة إذا تراجعت المادة الأصلية التي تُبنى عليها النماذج.
في المقابل، لا يقول التقرير إن الذكاء الاصطناعي خسر المعركة، بل إن تقدمه لم يعد خطيا. واللافت أن غرافيت تعتبر النص مولدا بالذكاء الاصطناعي أساسا فقط عندما تكون أغلبية محتواه مكتوبة أو مساعدة آليا، ما يعني أن الخط الفاصل بين الإنسان والآلة أصبح عمليا موضع تفاوض أكثر منه تصنيفا ثابتا. ومن زاوية تحريرية، هذا التطور مهم للمؤسسات الإعلامية وصناع المحتوى لأنه يضع عبء التحقق على المراحل الأولى للإنتاج، من جمع المصادر إلى الصياغة إلى المراجعة النهائية، ويجعل الشفافية في استخدام الأدوات التوليدية جزءا من الثقة مع الجمهور.

