جاءت هذه الحرب في سياق اضطراب داخلي داخل الدولة السعدية، بعدما دخل المغرب مرحلة تنازع على الشرعية والسلطة بين السلطان عبد الملك السعدي ومنافسه المخلوع محمد المتوكل. هذا الأخير لجأ إلى الملك البرتغالي الشاب سبستيان الأول طالبا دعما عسكريا لاستعادة العرش، بينما كان الملك البرتغالي يطارد بدوره مشروع تدخل واسع في شمال إفريقيا، مدفوعا بحسابات سياسية ودينية وتجارية، وراغبا في ترسيخ نفوذ بلاده على طرق الأطلسي وتعزيز مكانة التاج البرتغالي.
وتشير المصادر إلى أن الجيش البرتغالي لم يكن برتغاليا خالصا، بل ضم أيضا متطوعين ومرتزقة من إسبانيا وألمانيا وفلاندر والمجالات الإيطالية، إضافة إلى عناصر أجنبية أخرى، ما يعكس البعد الأوروبي الواسع لهذه الحملة. وفي المقابل، استعد عبد الملك السعدي للمواجهة بجيش جرى تنظيمه بعناية، مع الاستفادة من خبرته السياسية والعسكرية ومن علاقاته السابقة بالعالم العثماني، كما لعب شقيقه أحمد، الذي سيعرف لاحقا بأحمد المنصور، دورا مهما في الإعداد الميداني واللوجستي للمعركة.
من الناحية العسكرية، كان اختيار المكان حاسما في نتيجة المواجهة. فقد استدرج السعديون الخصم إلى منطقة قريبة من المجاري المائية والأراضي الرطبة، وهو ما قيّد حركة القوات المهاجمة وأربك انسجامها. ومع بدء القتال، استخدمت المدفعية المغربية لإحداث الارتباك، قبل أن تتولى الفرسان مناورات تطويق زادت من صعوبة انسحاب الجيش البرتغالي. وتصف عدد من المصادر المعركة بأنها انتهت خلال ساعات قليلة، بعد انهيار نظام الجيش المهاجم وتحوله إلى كتلة من الوحدات المعزولة وغير القادرة على إعادة التنظيم.
وتتباين الأرقام المتداولة حول الخسائر، لكن معظم الروايات تشير إلى حجم كارثي للانهيار البرتغالي، مع آلاف القتلى وعدد كبير من الأسرى، من بينهم جزء مهم من النبلاء البرتغاليين. أما سبستيان الأول فاختفى في ساحة القتال ولم يُعثر على جثمانه بشكل مؤكد، بينما قُتل محمد المتوكل أثناء الفرار، وتوفي عبد الملك السعدي خلال المعركة أو في نهايتها، مع ترجيح أن محيطه أخفى خبر وفاته إلى حين تأمين النصر حفاظا على المعنويات.
أما النتائج السياسية، فكانت متباينة تماما بين الطرفين. ففي البرتغال، أفضت الهزيمة إلى أزمة خلافة خانقة بعد اختفاء الملك دون وريث مباشر، ثم إلى دخول البلاد سنة 1580 تحت سلطة آل هابسبورغ الإسبان ضمن ما عُرف بـالاتحاد الإيبيري، الذي استمر حتى 1640. وقد شكلت هذه التطورات صدمة وطنية عميقة، خصوصا مع مقتل أو أسر عدد كبير من كبار النبلاء وارتفاع كلفة الفديات على الأسر البرتغالية.
في المغرب، على العكس، شكّل الانتصار ذروة القوة السعدية ومقدمة لصعود أحمد المنصور، الذي استفاد من الشرعية التي راكمتها المعركة لتعزيز المركزية السياسية وتوسيع الحضور الدبلوماسي والتجاري للمغرب. كما ارتبط اسمه بمشاريع عمرانية كبرى، وفي مقدمتها قصر البديع بمراكش، وبمرحلة سعى فيها المغرب إلى تثبيت استقلاله بين ضغوط القوى الأوروبية وتوازنات البحر المتوسط والعالم العثماني.
وتبقى معركة وادي المخازن أكثر من مجرد انتصار عسكري. فهي لحظة تاريخية تكثف الصراع على السيادة في غرب المتوسط، وتكشف كيف يمكن لمعركة واحدة أن تعيد رسم توازنات دولية، وأن تفتح في الوقت نفسه بابا جديدا في تاريخ المغرب وتاريخ البرتغال معا. ولعل قيمتها الرمزية اليوم نابعة أيضا من كونها تمثل في الوعي المغربي دفاعا ناجحا عن الاستقلال السياسي، وفي الذاكرة البرتغالية إحدى أكبر الكوارث الوطنية في العصر الحديث المبكر.